سوريا

المقايضة الحلال..

علي شيخ عمر _ سوريا _ أوروبا 24

صورة تعبيرية

 

    إن الظروف والمنعطفات التي مرت بها الثورة السورية أدت لولوجها مسارات ليست بالحسبان، وأثمرت نتائجا غير متوقعة أبدا، غيرت من خارطة البلد السياسية والاجتماعية، ومن المؤكد المستقبلية. كما أنها غيرت المعطيات لدى الدول الإقليمية الحليفة والمعادية للتحرك الجماهيري، وفرض عليها سياسات جديدة فيما بينها وفيما بينها وبين الدول العظمى من أجل تأمين مصالحها بشكل لا يضعها في مواجهة مع مصالح الغير، فعمدت إلى مقاطعة هذه المصالح والتنازل أحيانا بقدر يناسب قوتها السياسية وحجم قوتها على الأرض.

    أبرزُ شكلٍ لمقاطعة المصالح كان المقايضات الجغرافية والسكانية، أي التخلي من القوى الخارجية عن دعم جزء من المحرر في الداخل للحصول على جزء ذي أهمية مرحلية أكثر، بسبب عدم القدرة على المحافظة على الكل.

    في الوقت الحالي، لا يخفى على أي متابع للشأن السوري السياسي والميداني اضمحلال حلفاء الحراك الشعبي السوري، حتى لم يبق حليف حقيقي سوى تركيا (على أخطائها ومساوئها)، وإنّ معظم مصالح تركيا الدولة وأمنها القومي والاستراتيجي والاقتصادي وبعض المصالح الأخرى المعنوية لها التاريخية والطائفية إلى حد ما تصبّ في مصلحة بقاء الجسم المحرر وبناء مستقبله السياسي، الحليف الحالي كما الثورة أو ما تبقى منها محدود القدرات ومحكوم بتوازنات دولية، ويتصادم مع مجهود دولي لإجهاض أية عملية تحرر للمنطقة بلونها العربي أو السني بشكل أدق، فهامشُ المناورة والضغط لديه ضئيلٌ في ظل اصطفاف الدول المجاورة ضده وابتزاز القطبين له وتخوف أوروبا منه، فسياسة المقايضات لديه يمكن وصفها بأنها أفضل الممكن أو أحسن الأسوأ. ولنراجع ما تم منها وما يتوقع أن يتم:

   في عام 2016 توضّح تخلي تركيا عن دعم الفصائل في أحياء حلب الشرقية تماهياً مع الرغبة الروسية مقابل تأييد روسيا الدخول التركي لسوريا من مدينة جرابلس ومفاجئاً للرغبة الأميركية، وتم فرض منطقة درع الفرات. خسرت  الثورة بعدها نصف مدينة بثقل حلب، ولم يكن الأمر هيناً إلا حين معرفة الظرف وحجم المكسب والخسارة، القطبان يتقاسمان المصالح والنفوذ في سوريا، ولابد لأي متدخل الولوج تحت عباءة أحدهما، القطب الأمريكي كان يسير نحو السيطرة على كامل الحدود وصبغها بالأصفر، ولم يتبق له إلا بضعة أسابيع، القطب الروسي مصمم على السيطرة على شرق حلب ولو كانت مدمرة !! تركيا أدركت أن المشروع الأمريكي إن تم وحرمت هي من أي مجال ميداني للتدخل فسيكون الإقليم الكردي أمراً واقعاً ولن يعود هناك أهمية للحديث عن مستقبل حلب التي سيكون سقوطها مسألة وقت فقط، ولن يبق إلا بوابة إدلب الشبه مجمع دولياً على اكتظاظها بالإرهاب، فرجحت الأهمية التكتيكية  لمنطقة جرابلس الحدودية، استطاعت تركيا تأمين منطقة  للاجئين وبناء إدارات جيدة للمعارضة وتنظيمها والحصول على إقرار دولي بها للتخلص من حمل اللاجئين، وتكررت التجربة في عفرين الوتد الأمريكي غرب النهر. الأطراف أنفسهم تركيا وروسيا مجدداً، خسرت المعارضة منطقة شرق السكة أيضاً التي كانت هدفاً روسياً تضغط بقوة لأجله، وكسبت أمامه عفرين بأهميتها لديها و لدى bkk الذي جعل منها خنجراً يقطع به أوصال المحرر، وطُعن المشروع الانفصالي.

اليوم تتكرر التجربة ويساوم الروس الأتراك للحصول على مناطق في شمال حماة واللاذقية وجنوب إدلب، مقابل دعم موقفهم شرق الفرات، وجعل موقف النظام (المتقاطع مع تركيا في رفض دويلة كردية، والراغب في فتح الطرق الدولية) يصبّ في هذا الهدف التركي الذي يطمح لبناء تجربة محررة آمنة على سيئاتها، وعدم استقلال قرارها أفضل من تجربة الحياة في مناطق النظام. لكن القرار الأمريكي الغامض بالانسحاب غيّرَ مواقع الأطراف في لعبة النفوذ فبات حجم المقابل التركي أو الأتاوة المطلوبة من الدب الروسي أكبر بكثير مما كان قد يقلص من مكاسبه بالاتفاق الأمريكي.

هنا أعود لأتفهم موقف تركيا بالاقتناص من هامش مصالح القطبين، ولما يهمنا من هذه الصفقة المتوقعة، وهو الحفاظ على الرقعة المحررة والمشروع المناهض للنظام وتماسكها جغرافياً بجانب الجار الكبير والحفاظ على وحدة سوريا على المستوى البعيد وقابلية استمرار مشروع الثورة التحرري.

   وجدانياً وأخلاقياً التخلي عن أية بقعة من الجسم الثائر بُذلت لأجلها الدماء والدموع – وسينتج عنها آلاف المشردين- هو أمر مؤلم جداً، لا يخفف منه إلا معرفة أن الحفاظ على ما في اليد أو الحصول على جزء جديد يمد في عمر هذه الانتفاضة في الظروف العصية الراهنة. فليس من الإنصاف وصف منطقة بأنها أكثر أهمية من منطقة، ولا معاناة سكان مشردين هنا بأهم من سكان سيشردون هنالك، لكن أليس الرضا بالمكسب القليل خير من خسارة كل شيء حرفيا وهو أمر ليس ببعيد !!

 

الوسوم

‫5 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: نعتذر لعدم النسخ
إغلاق